ثم أخبر عن نفي الخيرة عن البرية بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: 36] يشير إلى أن العبد ينبغي أن لا يكون له اختيار ما بغير ما اختاره الله له بل تكون خيرته فيما اختاره الله له، ولا يعترض على أحكامه الأزلية عند ظهورها بل له الاحتراز عن شيء شر ما قضى الله قبل وقوعه، فإذا وقع الأمر فلا يخلو، إما أن يكون موافقاً للشرع أو مخالفاً للشرع، فإن يكن موافقاً للشرع فلا يخلو إما أن يكون موافقاً لطبعه أو مخالفاً لطبعه، فإن يكن موافقاً لطبعه فهو نعمة من الله يجب عليه شكرها، وإن يكن مخالفاً لطبعه فيستقبله بالصبر والتسليم والرضا، وإن يكن مخالفاً للشرع يجب عليه التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله تعالى من غير اعتراض على الله فيما قدر وقضى وحكم به، فإنه حكيم يفعل ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد لعزته {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ} [الأحزاب: 36] عن الصراط المستقيم {ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36] بيان للشرع {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] بأن أوقعه في معرض هذه الفتنة العظيمة والبلية الجسيمة وقواه على احتمالها وأعانه على التسليم والرضا، فيما يجري الله عليه وفيما يحكم به عليه من مفارقة الزوجة وتسليمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن ذكر اسمه في القرآن من بين الصحابة وأفرده به وأنعمت عليه بقبول زينب بعد أن أنعمت عليه بإيثارها عليه بقولك {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] وبإقبالك عليه وبتثبيتك له، وأما بقوله تعالى: {وَاتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 37] يشير إلى أنني أتقي الله في طلبها فأنت اتق الله في طلاقها وإمساكها وبقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37] يشير إلى أنك تعلم ما أعلمك أنها ستكون زوجك وأنت