ثم أخبر عن حسن الأسوة وسر القدوة وبقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] يشير إلى ما سبقت به العناية لهذه الأمة في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بلفظ {كَانَ} أي: كان لكم مقدر في الأزل أن يكون لكم عند الخروج من العدم إلى الوجود {فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ} أي: فقد أحسنته، وذلك بأن أول شيء تعلقت به القدرة للإيجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله:"أول ما خلق الله روحي"والأسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بأرواح هذه الأمة لإخراجهم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم إلى الوجود، فمن أكرم بهذه الكرامة يكون لها أثر في عالم الأرواح قبل تعلقه بعالم الأشباح، فأما أثره في عالم الأرواح فتقدمه على الأرواح بالخروج إلى عالم الأرواح وترجيعه في الصف الأول بقرب روح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في الصف الذي يليه، وبتقدمه في قبول الفيض الإلهي وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم في استخراج ذريته بإحضارها في الحضرة وبتقدمه في استماع خطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] وبتقدمه في إجابة الرب تعالى بقوله: {قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] وبتقدمه في المعاهدة مع الله وبتأخره في الرجوع إلى صلب آدم وبتأخره في الخروج عن أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وفي الخروج عن الرحم ويتأخر تعلق روحه بجسمه، فإن لله الذي هو المقدم والمؤخر في هذه التقدمات والتأخرات حكم بالغة، ولها تأثيرات عجيبة يطول شرحها، وأما أثره في عالم الأشباح فاعلم أنه بحسب هذه المراتب في ظهور أثر الأسوة يظهر أثرها في عالم الأشباح عند تعلق نظر الروح بالنطفة في الرحم أولاً إلى أن تربى النطفة بنظره في الأطوار المختلفة، وتصير قالباً مستوي الروح مستعداً للقبول تعلق الروح به فمثل القالب المستوي مع الروح كمثل الشمعة مع