{لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ} [الأحزاب: 8] في العهد والوفاء {عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8] لما صدقوا إظهاراً لصدقهم كما أثنى عليهم {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] وكان سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب، والصدق أن لا يكون في أحوالكم شوب، ولا في أعمالكم عيب، ولا في اعتقادكم ريب ومن أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق، وفي الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب، وفي القول سلامته من المعارض، وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرؤ عن الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأحزاب: 8] المنكرين على هذه المقامات، المعرضين عن هذه الكرامات {عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب: 8] من الحسرات والغرامات.
ثم أخبر عن كرمه مع العباد بإعطاء نعمه بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 9] يشير إلى أنواع نعمه الظاهرة والباطنة.
أولها: الإيجاد من كتم العدم.
وثانيها: إذ أخرجكم من العدم جعلكم أرواحاً مطهرة إنسانية {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] لا حيواناً أو نباتاً أو جماداً.
وثالثها: يوم الميثاق شرفكم بخطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم إلى إصابة جوابه.
ورابعها: أنعم عليكم بالنفخة الخامسة عند بعثك إلى القالب الإنساني؛ لئلا ينزلوا المنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها من المنازل إلى أن أنزلكم في المقام الإنسانية.
وخامسها: عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحاً ثم صوركم في الأرحام وسواكم ثم نفخ فيه من روحه.