فهذه جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: لما أُسِرَت مع قومها في غزوة بني المصطلق ، استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أذن لها قالت: يا رسول الله أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء مالم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس ، فكاتبته (12) على نفسي ، فجئتك أستعينك على أمري: فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (فهل لك في خير من ذلك ؟) قالت: وما هو يا رسول الله ؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم: (أقضي عنك كتابتك وأتزوجك) فقالت في فرحمة غامرة: نعم يارسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد فعلت) (13) .
فما هي نتائج هذا الزواج ؟ أقبل الناس وبأيديهم أسرى قومها ، فأرسلوهم أحراراً وهم يقولون: (أصهار رسول الله) ! فما كانت إمرأة أعظم على قومها بركة منها ، فأعتق المسلمون بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الأسرى السبايا ، ودخل الجميع في الإسلام وهم راضون وراغبون ، وكان لهذا الزواج من جويرية أفضل الآثار ، وأحسن النتائج .
وروت كتب السيرة أن أباها جاء النبي صلى الله عليه وسلن فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها ، فإن ابنتي لا يسبى مثلها !! ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يخيرها ، فسرَّ أبوها بذلك ، فخيّرها ، فاختارت الله ورسوله ، وكانت من أعبد امهات المؤمنين.
وذكر ابن هشام في السيرة أن والدها سمع حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم عما جاء فيه من فداء ابنته ، فصاح بصوت جهير: (أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله) وأصدقها النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم.