ثم إن المقطع الأول انتهى بقوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ويأتي المقطع الثاني ليبيّن علامة الصدق: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ والصلات بين المقطعين أوسع من ذلك، وستراها إن شاء الله تعالى.
وبعد هذه الملاحظات فلنبدأ التفسير:
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، على الصحيح المشهور إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ أي الأحزاب وهم: قريش، وغطفان، وقريظة، والنضير فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً أي الملائكة لَمْ تَرَوْها بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأمطرتهم وأسفّت التّراب في وجوههم، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وألقت الملائكة في قلوبهم الرعب والخوف، فكان أن هربوا وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً أي وكان بعملكم أيها المؤمنون من التحصّن بالخندق، والثبات على معاونة النبي صلّى الله عليه وسلم بصيرا.
ثمّ فصّل الله الحادثة فقال: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي من أعلى الوادي من قبل المشرق، وكان الآتون من هذه الجهة بني غطفان وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي من أسفل الوادي من قبل المغرب، وكان الآتون من قبل المغرب قريش،
أو الآتون من فوق: الأحزاب قريش وغطفان، والمراد بمن أسفل منهم بنو قريظة وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ أي مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة، أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدّة الرّوع وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ الحنجرة: هي منتهى الحلقوم، وهذا مثل لاضطراب القلوب من شدة الخوف والفزع وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ظن المؤمنون أن الله يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون أن المسلمين سيستأصلون
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي امتحنوا بالصبر على الإيمان وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي وحرّكوا بالخوف تحريكا بليغا.