حتى كان فتح مكة والطائف. ويمكن أن يقال: إنه كان هناك تلازم بين حركات اليهود وحركات المنافقين وحركات المشركين. وإن طرد اليهود من المدينة قد أنهى هذا التلازم، وإنه كان فارقا واضحا بين عهدين في نشأة الدولة الإسلامية واستقرارها.
فهذا مصداق قول اللّه سبحانه:
«وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً» .
والصياصي: الحصون والأرض التي ورثها المسلمون ولم يطؤوها، ربما كانت أرضا مملوكة لبني قريظة خارج محلتهم. وقد آلت للمسلمين فيما آل إليهم من أموالهم. وربما كانت إشارة إلى تسليم بني قريظة أرضهم بغير قتال. ويكون الوطء معناه الحرب التي توطأ فيها الأرض.
«وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً» ..
فهذا هو التعقيب المنتزع من الواقع وهو التعقيب الذي يرد الأمر كله إلى اللّه. وقد مضى السياق في عرض المعركة كلها يرد الأمر كله إلى اللّه. ويسند الأفعال فيها إلى اللّه مباشرة. تثبيتا لهذه الحقيقة الكبيرة، التي يثبتها اللّه في قلوب المسلمين بالأحداث الواقعة، وبالقرآن بعد الأحداث، ليقوم عليها التصور الإسلامي في النفوس.
وهكذا يتم استعراض ذلك الحادث الضخم. وقد اشتمل على السنن والقيم والتوجيهات والقواعد التي جاء القرآن ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة وفي حياتها على السواء.
وهكذا تصبح الأحداث مادة للتربية ويصبح القرآن دليلا وترجمانا للحياة وأحداثها، ولاتجاهها وتصوراتها. وتستقر القيم، وتطمئن القلوب، بالابتلاء وبالقرآن سواء!. انتهى انتهى. {الظلال حـ 5 صـ 2829 - 2849}