وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن:
{فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} ..
فخرجوا من الجحور ، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش ، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ، ونفشوا بعد الانزواء ، وادعوا في غير حياء ، ما شاء لهم الادعاء ، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال ، والشجاعة والاستبسال..
ثم هم: {أشحة على الخير} ..
فلا يبذلون للخير شيئاً من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم ؛ مع كل ذلك الادعاء العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان!
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل. فهو موجود دائماً. وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء. وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف. وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير ، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان!
{أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} ..
فهذه هي العلة الأولى. العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان ، ولم تهتد بنوره ، ولم تسلك منهجه. {فأحبط الله أعمالهم} .. ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك.
{وكان ذلك على الله يسيراً} ..
وليس هنالك عسير على الله ، وكان أمر الله مفعولاً..
فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية:
{يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} ..
فهم ما يزالون يرتعشون ، ويتخاذلون ، ويخذّلون! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت ، وأنه قد ذهب الخوف ، وجاء الأمان!
{وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم} ..
يا للسخرية! ويا للتصوير الزري! ويا للصورة المضحكة! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوماً من الأيام. ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية ، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير.
ولا يعلمون حتى ما يجري عند أهلها. إنما هم يجهلونه ، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب! مبالغة في البعد والانفصال ، والنجاة من الأهوال!