مقاتل: يقول: هكذا الكفار حتى إذا انتهى الواحد منهم إلى عمله يوم القيامة وجده لم يغن عنه شيئًا، كما لم يجد العطشان السراب شيئًا، حتى انتهى إليه فمات من العطش وهلك، فكذا الكافر يهلك يوم القيامة.
وقال أبو إسحاق: أعلم الله - عز وجل - أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله ظنُّه كظن الذي يظن أن السَّراب ماء.
وقال ابن قتيبة: الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه كما يحسب العطشان السراب من البعد ماءً يرويه {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} أي مات لم يجد عمله شيئًا لأنَّ الله - عز وجل - قد أبطله بالكفر ومحقه.
وقوله {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} قال مقاتل: وجد الله بالمرصاد عند عمله {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} يقول جازاه بعمله.
وقال الفراء: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} عند عمله يقول: قدم على الله فوفاه حسابه.
وقال صاحب النظم في هذه الآية: هذا نظم غامض؛ لأنَّه - عز وجل - وصف أعمال الكفار التي يريدون بها البرَّ في الدنيا بأنَّها تبطل في الآخرة ولا تنفعهم شيئًا، فشبهها بالسراب الذي يحسب الظمآن أنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا، كذلك الكفار في أعمالهم لا تنفعهم ولا تُقبل منهم فهي كأنَّها لا شيء، وقوله {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ} متصل بالظمآن دون الكفار، إلا أنَّه - عز وجل - لما جعل الظمآن والسَّراب مثلًا للكفار في بُطول أعمالهم، أقامه مقامهم فيما يصير إليه عاقبة أمورهم، فقال {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} فجاء بذكر الظمآن على التوحيد، والمعني به الكفّار؛ لأنَّ الظمآن هاهنا مثل لا عين يقصد بالخبر، والعين المقصود بالخبر هم الكفّار، وهم يُوفَّون الحساب، يدلك على ذلك قوله: {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [وهذا لا يحتمل اتصاله بالظمآن: لأنَّه لا يكون هنالك حساب، وإنّما الحساب في الآخرة. هذا كلامه.