ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب ، المثمر للعطب ، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل ، ضرب مثالاً آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول ، وهو السير بغير دليل ، الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام ، فقال عاطفاً على {كسراب} قوله: {أو} للتخيير ، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب ، ولكونها خالية عن نور الحق {كظلمات} أو للتنويع ، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب ، أو قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة {في بحر} هو مثال قلب الكافر {لجي} أي ذي لج هو اللج ، إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار ، لأن اللج معظم الماء ، ويكون جمع لجة أيضاً ، والأوفق هنا أن يكون منسوباً إلى الجمع ، لأنه أهول ، والمقام للتهويل ، قال القزاز في ديوانه: ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضاً ولا جبلاً ، وبحر لجي: واسع اللجة ، وجمع اللجة لجج ولج.
{يغشاه} أي يغطي هذا البحر ويعلوه ، أو يلحق الكائن فيه {موج} وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، كائن {من فوقه} أي هذا الموج {موج} آخر {من فوقه} أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول {سحاب} قد غطى النجوم ، وهو مثال الرين والختم والطبع على القلب ، فلا سماء تبصر ولا أرض.
ولما كان هذا أمراً مهولاً ، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: {ظلمات} أي من البحر والموجين والسحاب {بعضها} .