وفي أخرى:"نورٌ أني أراه، رأيت نورًا."
قال اللَّه - جل من قائل: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) وقد أوجد
النيرات آيات له ودلالات عليه، وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)
وقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وهما نيّران منيران،
وعلى قراءة من قرأ:"الله نور السماوات والأرض"فهو إخبار منه - جلَّ ذكره - أنه
نور السماوات والأرض.
ثم جعل يخبر عن نوره بما نوره، فذكر المشكاة والمصباح والزجاجة
والبيوت، وقد تقدم أنه من الأمثال المضروبة قبلها مصداقا لما جاء في بعض الكتب
التي يذكر أنها من الكتب المنزلة على من كان قبلنا أن الله هو الحي القيوم، ملأت
العالم عزته، ووسع السماوات والأرض كرسيه، وأحاط بجميع ذلك عرشه، الذي
خدامه آلاف آلاف الآلاف؛ ولا يحصى من خدامه ولا من جيوشه إلا ما شاء
جنوده، نيران تلتهب وأودية اللهيب جارية قدامه، وكل مرغوب من أسمائه جازع
من هيبته وحذره، المختفي عن الأبصار الغمام ستره، والظلام سرادقه والضياء بين
يديه والنور أمامه.
وفي مفهوم قوله - جلَّ جلالُه -: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تحقيق
التوحد بنور كل الموجودات، قال الله تعالى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ)أي: بالحق خلقهما وما بينهما، وكذلك كل ما علا وسما وما
سفل إلى المنتهى، كل ذلك بالحق خلقه وللحق أوجده.
ثم قال - جل من قائل: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) وليس في
الوجود كله إلا ظلمة أو نور أو ممتزج منهما وهو هما، فكل الموجودات فلا تخلو
ما يقال فيه منها أنه نور أن يكون ظاهرًا كالنيرات وما أنارته، أو الوجود الذي
هو ضد العدم، فإنه لا أثقب نورًا من الوجود ولا أظلم ظلامًا من العدم والفقد، أو
باطنًا في الوجود كالآيات والبينات والشواهد على ما جعلها عليه شواهد،
ومسالك مقتضيات أسمائه وصفاته من جملة العالم وأنواع الهدايات وما هو
الصراط المستقيم، فلئن كانت دلالة المفعول على فاعله نورًا أن ضد ذلك [الظلام] ،