وصفة الربوبية مقتضاها هو المخلوق المنفصل. وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان، والخير، والنعمة، والعقوبة، آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه. وهكذا علمه القائم به هو صفته. وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته"."
فإذا ثبت بهذه النصوص كلها أن الله سبحانه هو نور السموات والأرض ومن فيهن، وأن كل شيء في هذا الوجود إنما يشرق بنور وجه ربه جل وعلا، ولنوره، وأن كل نور إنما هو من نوره سبحانه، فكيف لا يكون هو سبحانه في نفسه نورًا؛ كما كان سبحانه وتعالى ربًّا، وقيُّومًا، وهاديًا؟!
وأما من قال: إن الله سبحانه، لو كان نورًا في نفسه، لما جازت إضافته إليه في قوله:"مَثَلُ نُورِهِ"، وكذا في قوله:"يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ"؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، بمعنى: أن المضاف لا يكون عَيْنَ المضاف إليه، فلا يقال: نورُ النورِ، ولا حقُّ الحقِّ؛ وإنما يقال: نورُ اللهِ، وحقُّ اليقين، فالجواب عنه: أن النور يضاف، أو يسند إلى الله سبحانه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يسند إسناد الخبر إلى المبتدأ؛ كما في قولنا: اللهُ نورٌ. وبهذا وصفه النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث الثابت عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال:"نورٌ! أنَّى أراه؟".. وفي الرواية الأخرى:"هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورًا".
فأخبر صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه نورٌ، وهو لفظ يفيد التعظيم. ثم نفى رؤيته لربه سبحانه بقوله:"أنَّى أراه؟"أي: كيف أراه، ومن أين لي أن أراه، وهو نور؟ أما النور الذي رآه عليه الصلاة والسلام - كما جاء في الرواية الثانية - فهو حجابه الذي احتجب به عن خلقه سبحانه وتعالى. ويدل على ذلك ما جاء في حديث الإسراء، من أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قرُب من سدرة المنتهى، غَشِيَ السدرة من النور ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه.