ففي صحيح مسلم (1/ 161) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال:"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور".
وفي رواية أخرى:"حجابه النار، أو النور، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
وسُبُحاتُ وجهه سبحانه: هي جلاله وبهاؤه، ونوره، الذي حجبه عن خلقه بحجاب من نور، أو نار. وقد نقل الإمام النووي اتفاق شُرَّاح الحديث على أن معنى"سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه."
وعقَّب الشيخ ابن تيمية على الحديث بقوله:"فهذا الحديث فيه ذكر حجابه، فإن تردَّد الراوي في لفظ النار والنور، لا يمنع ذلك؛ فإن مثل هذه النار الصافية، التي كلم بها موسى، يقال لها: نارٌ، ونورٌ؛ كما سمَّى الله نارَ المصباح نورًا، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم، فتلك لا تسمَّى نورًا".
ودلالة الحديث - كما هو ظاهر - قاطعة في ثبوت صفة النور لله عز وجل لمن تأمله، وسلم من مرض التعطيل والتأويل. وهي كغيرها من الصفات، التي تثبت لله تعالى مع التنزيه، على حدِّ قوله سبحانه:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الشورى: 11)
فليس النور الثابت له سبحانه كنور الشمس والقمر، أو غيرهما من الأنوار المخلوقة؛ بل هو نور يليق به سبحانه، لا يماثل نور المخلوق، فلكل ذات ما يناسبها من الصفات ..
"وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (النحل:60)
والوجه الثاني: أن يسند النور إليه سبحانه إسناد الصفة إلى موصوفها، أو إسناد الاسم إلى مسمَّاه، ومنه ما أخبر الله تعالى عنه بقوله:"وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا"
فهذا إشراق الأرض يوم القيامة بنور ربها سبحانه وتعالى، إذا جاء لفصل القضاء بين عباده. والمعنى المراد: وأشرقت الأرض بنور ربها الموصوف بهذه الصفة، على اعتبار أن النور وصف قائم به سبحانه. أو بنور ربها المسمَّى بهذا الاسم، على اعتبار أن النور اسم من أسمائه الحسنى.