فكانت كل زيادة من هاتين مقتضية العطف لما حصل من المغايرة بينها وبين أختها ، وتعتبر كل واحدة عطفاً على نظيرتها ، فوصفت السورة كلها بثلاث صفات ووصف ما كان من هذه السورة مشتملاً على أحكام القذف والحدود وما يفضي إليها أو إلى مُقاربها من أحوال المعاشرة بين الرجال والنساء بثلاث صفات ، فقوله هنا: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبيَّنات} يطابق قوله في أول السورة {وأنزلنا فيها آيات بينات} [النور: 1] ، وقوله: {ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم} يقابل قوله في أول السورة {وفرضناها} [النور: 1] على ما اخترناه في تفسير ذلك بأن معناه التعيين والتقدير لأن في التمثيل تقديراً وتصويراً للمعاني بنظائرها وفي ذلك كشف للحقائق ، وقوله: {وموعظة للمتقين} يقابل قوله في أولها {لعلكم تذكرون} [النور: 1] .
والآيات جمل القرآن لأنها لكمال بلاغتها وإعجازها المعاندين عن أن يأتوا بمثلها كانت دلائل على أنه كلام منزّل من عند الله.
وابتدئ الكلام بلام القسم وحرف التحقيق للاهتمام به.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب {مبيَّنات} بفتح التحتية على صيغة المفعول.
فالمعنى: أن الله بيّنها ووضحها.
وقرأ الباقون بكسر التحتية على معنى أنها أبانت المقاصد التي أنزلت لأجلها.
ومعنيا القراءتين متلازمان فبذلك لم يكن تفاوت بين مفاد هذه الآية ومفاد قوله في نظيرتها {وأنزلنا فيها آيات بينات} [النور: 1] في أول السورة لأن البينات هي الواضحة ، أي الواضحةُ الدلالة والإفادة.
والمَثل: النظير والمشابه.
ويجوز أن يراد به الحال العجيبة.
و (مِن) في قوله: {من الذين خلوا} ابتدائية ، أي مثلاً ينشأ ويتقوم من الذين خلوا.
والمراد نشأة المشابهة.
وفي الكلام حذف مضاف يدل عليه السياق تقديره: من أمثال الذين خلوا من قبلكم.
وحذف المضاف في مثل هذا طريقة فصيحة ، قال النابغة:
وقد خفتُ حتى ما تزيد مخافتي