هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في هذه الآية.
وإذا تقرّر لك هذا ، فاعلم: أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب.
عكرمة ، وعطاء ، ومسروق ، وعمرو بن دينار ، والضحاك ، وأهل الظاهر ، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك ، وعلم فيه خيراً.
وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك ، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده ، أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ، ولم يجبر عليه ، فكذا الكتابة لأنها معاوضة.
ولا يخفاك أن هذه حجة واهية ، وشبهة داحضة ، والحق ما قاله الأوّلون ، وبه قال عمر بن الخطاب ، وابن عباس واختاره ابن جرير.
ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين ، فقال {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُم} ففي هذه الآية: الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة ، إما بأن يعطوهم شيئاً من المال ، أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه ، وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار ، وقيل: الثلث ، وقيل: الربع ، وقيل: العشر ، ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم ، وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة.
وقال الحسن ، والنخعي ، وبريدة: إن الخطاب بقوله: {وآتوهم} لجميع الناس.
وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في قوله سبحانه: {وَفِي الرقاب} [التوبة: 60] ، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة.
ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك ، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا ، فقال {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء} والمراد بالفتيات هنا الإماء ، وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر.