والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية ، وبالجملة ، فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح:"ومن رغب عن سنتي فليس مني"، ولكن مع القدرة عليه ، وعلى مؤنه كما سيأتي قريباً ، والمراد بالأيامى هنا الأحرار ، والحرائر ، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله: {والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} قرأ الجمهور {عبادكم} ، وقرأ الحسن"عبيدكم".
قال الفراء: ويجوز"وإماءكم"بالنصب بردّه على الصالحين ، والصلاح هو الإيمان.
وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك ، وفيه دليل على أن المملوك لا يزوّج نفسه ، وإنما يزوّجه مالكه.
وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح.
وقال مالك: لا يجوز.
ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار ، فقال: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ} أي: لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما ، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك.
قال الزجاج: حثّ الله على النكاح ، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلاً لكل فقير إذا تزوّج ، فإن ذلك مقيد بالمشيئة.
وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوّجوا.
وقيل: المعنى إنه يغنيه بغنى النفس ، وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا.
والوجه الأوّل أولى ، ويدلّ عليه قوله سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء} [التوبة: 28] .