والمعنى أنهم يبادرون إلى السجود فيسقطون على الأذقان أولاً إذا وقعوا بالأرض إلى أن نصبوا جباههم على الأرض للسجود؛ لأن الذقن ليس من أعضاء السجود، ويدل على هذا قوله: {يَخِرُّونَ} ولم يقل: يسجدون؛ لأنه أراد مسارعتهم إلى ذلك حتى إنهم ليسقطون ويقولون في سجودهم: {سُبْحَانَ رَبِّنَا} ، أي: ينزهونه ويعظمونه، {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} : أي وعده بإنزال القرآن وبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب؛ لأن الوعد ببعث محمد - صلى الله عليه وسلم - سبق في كتابهم، فهم كانوا ينتظرون ذلك الوعد.
وذكر الليث وجهًا آخر في قوله: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} فقال: العرب تقول إذا خَرّ الرجل فوقع على وجهه: خَرّ للذقن، وكذلك الشجر والحجر إذا قلبه السيل يقال: كبه السيل للذقن، ويدل على ما ذكره قول امرئ القيس يصف سيلًا شديدًا:
يَكُبُّ على الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
فلما استعمل ذلك في الشجر إذا سقط واستعير له الذقن، كان ذكره في الإنسان الذي له الذقن أولى.
وقوله تعالى: {سُجَّدًا} حال مقدرة، المعنى: يَخِرّون مقدرين للسجود؛ لأن الإنسان في حال خُرُورِه لا يكون ساجدًا، قاله أبو إسحاق في قوله: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] ، ومثله: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، وقد مرّ.
قال أبو إسحاق: و (إن) و (اللام) في: {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} دخلتا للتوكيد، ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع.
109 -قوله تعالى: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} أعاد هذا لأن الأول للسجود، والثاني لغير السجود، ولكن للذّلة والخشوع عند استماع القرآن، يدل عليه قوله: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} ، ويجوز أن يكون تكرير القول دلالة تكرر الفعل منهم.