يبعث الله بشرًا رسولاً، وهم يكثرون التعجب من أن بعث الله بشرًا رسولاً، ولو
قدروا الله حق قدره لم يبعدوا ذلك(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).
نظم بذلك ما جلى به عن وجه الحق المتعجب منه بقوله الحق: (قُلْ لَوْ
كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)
ذلك أعرف في البيان وأبلغ في وصف الحكمة، لو كان الرسول إلى
البشر ملكا أو غيره مما ليس ببشر ما بلغ من التبيين ما بلغه البشرى فإنه يبين
بقوله وبفعله وأكثر أحوال البشر ليست للملك؛ أين أكل الطعام وشرب الشراب
وإخراجه والنكاح ولواحقه، إلى غير ذلك من أحواله وضروراته.
تمم ذلك بقوله الحق: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(96)
معنى ذلك: أن الله - جل ذكره - شهيد على ما فات من ذلك
في هؤلاء وهؤلاء، إنه كان خبيرًا ببواطن عباده، بصيرًا بظواهرهم، يعلم ما يصلحهم
وما يصلحون عليه.
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ...(97) . عطف بالواو في قوله:(وَمَنْ
يَهْدِ اللَّهُ)تقدير انتظام الكلام بعضه ببعض، والله أعلم.
(قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا
رَسُولًا (95) . ويهدي من يشاء ويضل من يشاء(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
الْمُهْتَدِي...)فانتظم بهذا معنى ما في الخطاب وما في العقول
من الحكمة، لأجل الابتلاء، كما قال: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ
رَبُّكَ بَصِيرًا (20) . أي: بمن يهتدي ومن لا يهتدي.
(وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ) أمَّا الضالون(نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا).
(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23) .