قيل: في الحكمة أن يفرض علينا السعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عن أنفسنا، وفي أمره إيانا أمر بالسعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عنها، وحاصل أمره ونهيه يكون المنفعة لنا لا له، وكذلك الضرر، وعلى ذلك يخرج قوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُم ...) والآية، وعلى ذلك يخرج دعاء آدم وغيره: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ...) الآية.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) .
وهذا أيضًا ينقض على أصحاب الظواهر؛ لأنه لا كل من أوتي العلم منهم يخرّ للأذقان على ما خرج ظاهره، فدل أن الاعتقاد ليس بالظاهر على ما قرع السمع، ولكن على ما توجبه الحكمة.
ثم قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي: إن الذين أوتوا منفعة العلم يخرون للأذقان سجدًا.
ثم يحتمل قوله: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) على التمثيل، ليس على حقيقة السجود، ولكن على الانقياد لما سمعوا، والخضوع له، والذلة؛ على ما ذكرنا من التمثيل في قوله: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ، ليس على حقيقة الانقلاب على الأعقاب، ولكن على التمثيل للرجوع وترك العمل، فعلى ذلك الأول، وكقوله: (فَنَبَذُوُه وَرَآءَ ظُهُورِهِم) ، على ترك العمل به.
ويحتمل: أن يكون السجود كناية عن الصلاة، أي: يصلون لله.
ويحتمل أن يكون على حقيقة السجود، خروا لله سجدًا إذا تتلى عليهم آيات الله وحججه، وهو كسجود سحرة فرعون حين عاينوا آيات اللَّه، وحججه، وهو كقوله: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) ، فعلى ذلك يحتمل سجود هَؤُلَاءِ، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا ...(108)
عما قالت الملاحدة فيه.