وَقَوْلُهُ: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذَا الْقُرْآنِ، إِذْ خَرُّوا لِلْأَذْقَانِ سُجُودًا عِنْدَ سَمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ: تَنْزِيهًا لِرَبِّنَا وَتَبْرِئَةً لَهُ مِمَّا يُضِيفُ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ، مَا كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ، إِلَّا مَفْعُولًا حَقًّا يَقِينًا، إِيمَانٌ بِالْقُرْآنِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ وَالْأَذْقَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: جَمْعُ ذَقَنٍ وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي قَالَ الْحَسَنُ فِي ذَلِكَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ {أُوتُوا الْعِلْمَ} وَفِي {يُتْلَى عَلَيْهِمْ}
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَ سَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ قَالُوا {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا}
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} كِتَابُهُمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: عَنَى بِقَوْلِهِ: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الْقُرْآنِ لَمْ يَجْرِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ ذِكْرٌ، فَيُصْرَفُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَتِ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {مِنْ قَبْلِهِ} مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ بِذِكْرِهِ جَرَى قَبْلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} وَمَا بَعْدَهُ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُ، فَذَلِكَ وَجَبَتْ صِحَّةُ مَا قُلْنَا إِذَا لَمْ يَأْتِ بِخِلَافِ مَا قُلْنَا فِيهِ حَجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) }