الخامسة: واختلف الآخذون بأقوال القافة ، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء أو يختص بأولاد الإماء ، على قولين ؛ فالأوّل: قول الشافعيّ ومالك رضي الله عنهما في رواية ابن وهب عنه ، ومشهورُ مذهبه قَصْرُه على ولد الأَمَة.
والصحيح ما رواه ابن وهب عنه وقاله الشافعيّ رضي الله عنه ؛ لأن الحديث الذي هو الأصل في الباب إنما وقع في الحرائر ، فإن أسامة وأباه حُرّان فكيف يُلْغَى السبب الذي خُرّج عليه دليل الحكم وهو الباعث عليه ، هذا مما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختلف هؤلاء ، هل يكتفَى بقول واحد من القافة أو لا بُدّ من اثنين لأنها شهادة ؛ وبالأوّل قال ابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصّه.
وبالثاني قال مالك والشافعيّ رضي الله عنهما.
السادسة: قوله تعالى: {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب ، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه واعتقده ، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع.
وقيل: المعنى أن الله سبحانه وتعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده ؛ ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم:"كلّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"فالإنسان راع على جوارحه ؛ فكأنه قال كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولا ، فهو على حذف مضاف.
والمعنى الأول أبلغ في الحجة ؛ فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي ؛ كما قال: {اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [ياس: 65] ، وقوله: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [فصلت: 20] .
وعبّر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، فهي حالة من يعقل ، فلذلك عبر عنها بأولئك.