إننا نرجح أن التفسير الصحيح لقوله تعالى: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد موسى لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ كل الأرض متفرقين فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي: جميعا إلى فلسطين، وأن هذا النص يحدد أن الإفسادة الآخرة بعد تفرقهم في الأرض كلها وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً وأما الإفسادة الأولى فتكون قبل ذلك، ومن المعلوم أن التشتيت الشامل على وجه الأرض لبني إسرائيل إنما كان بعد عودتهم من سبي بابل، فيكون التسليط الأول هو تسليط بختنصر، والتسليط الثاني هو الذي يتوقع الآن، بدليل العلو والإفساد. فالإفسادة الأولى كانت لهم دولة وفساد. والآن إفسادهم في الأرض كلها معروف، وسيطرتهم الخفية على بعض بلدان العالم معروفة، واجتمع لهم سلطان ودولة، وأن المرشحين للتسليط عليهم هم العراقيون المسلمون سواء اعتبرنا بختنصر موحّدا أولا، أو المسلمون عامة، إذا كان بختنصر موحدا.
المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتدّ من الآية (9) إلى نهاية الآية (21) وهذه هي:
التفسير:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها، أو للملّة التي هي أقوم، أو للطريقة التي هي أقوم في كل شيء، في العقائد والأخلاق،
والسلوك، والعبادات، والتشريع وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً أي الجنة
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا أي أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني النار. وقد بينت الآيتان خصيصة من خصائص القرآن، هو أنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، مع التبشير والإنذار، وهذا مظهر من مظاهر إعجازه. إذ تحدث عن كل شيء فهدى فيه إلى أقوم ما يمكن أن يكون فيه، بأسلوب التبشير والإنذار، فأي كتاب يمكن أن يكون كذلك؟ وكيف يكون كذلك لولا أنه من عند الله وبعد أن بيّن الله عزّ وجل خصيصة من خصائص كتابه بين خصيصة من خصائص الإنسان