{فَتَقْعُدَ} : القعود هنا بمعنى الإقامة أَو المكث، سواءٌ أَكان في مكثه قاعدا أَم قائما وقيل القعود بمعنى الصيرورة، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أي حتى صارت كأنها حربة، وقيل غير ذلك. {مَخْذُولًا} : أَي عديم النصير.
التفسير
21 - {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} :
الخطاب في هذه الآية لكل مكلف، فالله تعالى يدعوه فيها إلى التأمل في فضله وتمييزه بعض الناس على بعض في الرزق والنعمة في الحياة الدنيا - دون نظر إلى عمل، ويبين أن التفاوت في الآخرة بين عباده سيكون أَعظم، تبعًا لتفاوتهم في الدنيا في العمل.
والمعنى: انظر أيها المكلف وفكر في تفضيل الله بعض الناس على بعض في الرزق في هذه الحياة الدنيا من غير نظر إلى إيمانهم وكفرهم، فقد يكون الكافر أَوسع نعمة وأَعظم
جاها من المؤمن في الدنيا، وقد يكون العكس؛ لأن العطاء في الدنيا لا ينظر فيه إِلى العمل غالبًا، بل هو كرم غير مشروط، وتذكير وامتحان يستتبع الجزاء.
وهذا التفاوت الذي تراه في الدنيا لا قيمة له بجانب التفاوت الذي سوف يكون في الآخرة، فإن التفاوت فيها سيكون أَعظم، ودرجات التفضيل ستكون أَكبر، تبعًا لتفاوتهم إيمانًا وكفرا، وطاعة وعصيانًا، فبعضهم في أَعلى عليين وبعضهم في أَسفل سافلين، وغيرهم من سائر الخلق متفاوتون في الدرجات أو الدركات، وقد جاء في تفاضل أَهل الجنة في الدرجات عن أبي سعيد الخدرى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أَهلَ الجنة لَيَتَرَاءون أَهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدرى العابر من الأُفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى. والذي نفسى بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلينَ"أَخرجه الشيخان واللفظ لمسلم.
وقد صح أَنه تعالى أَعد لعباده الصالحين ما لا عين رأَت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.