والثاني: قد هلكوا جميعًا، وفي العقل والحكمة إنشاء الخلق للإفناء خاصة بلا عاقبةٍ تقصد - عبثٌ باطل؛ فدل أن هنالك دارًا أخرى هي المقصودة حتى صار خلق هولاء حكمة، وفيه إلزام البعث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)
تفسير قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) ؛ كأنه قال: من كان يريد العاجلة، وهو كافر بربه مكذب بالآخرة (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) ، ومن كان يريد الآخرة، وهو مؤمن بربه مصدق بالآخرة، (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، هذا يدل أنهم إنما أرادوا العاجلة بكفرهم بالآخرة، ثم أخبر أن من أراد بعمله في الدنيا الآخرة، ولها سعيها ما سعى، وهو مؤمن بها.
(فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) .
أي: مَجز، لا مقبولًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ...(20)
أي: المؤمن والكافر يعطى هذا وهذا، أي: لا نحرم عن العاجلة من أراد الآخرة؛ يخبر أُولَئِكَ الكفرة بكفرهم بالآخرة أنه ليس يعطي الدنيا وسعتها لمن يكفر بالآخرة؛ ولكن يعطي من كفر بها ومن آمن بها؛ لئلا يحملهم ذلك على حبهم الدنيا وطلب العز والشرف فيها - على كفرهم بالآخرة؛ حيث قال: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) ، أي: يعطي المؤمن والكافر، والبَر والفاجر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) .