لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)
لأنه سبحانه أعطاك في الدنيا ، وأمدّك بالأسباب ، وبمقوّمات حياتك ، أوجدك من عدم ، وأمدك من عُدْمٍ ، حتى وإنْ كنت كافراً ، ثم أعدَّ لك في الآخرة الدرجات العالية والنعيم المقيم الذي لا يَفْنى ولا يزول.
وهذه هي الحيثيات التي ينبغي عليك بعدها أن تعرفه سبحانه ، وتتوجّه إليه ، وتلتحم به وتكون في معيته ، ولا تجعل معه سبحانه إلهاً آخر ؛ لأنك إنْ فعلتَ فلن تجد من هذا النعيم شيئاً ، لن تجد إلا المذمّة والخُذْلان في الدنيا والآخرة.
وسوف تُفَاجأ في القيامة بربك الذي دعاك للإيمان به فكفرْتَ. {وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ..} [النور: 39]
ساعتها ستندم حين لا ينفعك الندم ، بعد أن ضاعت الفرصة من يديك.
ويقول تعالى: {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} [الإسراء: 22]
والقعود ليس أمراً عادياً هنا ، بل هو أنكَى ما يصير إليه الإنسان ؛ لأن الإنسان لا يقعد إلا إذا أصبح غيرَ قادر على القيام ، ففيها ما يُشعر بإنهاك القوة ، وكأنه سقط إلى الأرض ، بعد أنْ أصبحتْ رِجلاه غير قادرتين على حَمْله ، ولم تَعْد به قوة للحركة.
ونلاحظ في تعبير القرآن عن هذا الذي خارتْ قواه ، وانتهت تماماً ، أنه يختار له وَضْع القعود خاصة ، ولم يَقُلْ مثلاً: تنام ، لأن العذاب لا يكون مع النوم ، ففي النوم يفقد الإنسان الوعي فلا يشعر بالعذاب ، بل قال (فتقعد) هكذا شاخص يقاسي العذاب ؛ لأن العذاب ليس للجوارح والمادة ، بل للنفس الواعية التي تُحِسّ وتألم.
ولذلك يلجأ الأطباء إلى تخدير المريض قبل إجراء العمليات الجراحية ؛ لأن التخدير يُفقِده الوعي فلا يشعر بالألم.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 95]
وقال: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً..} [النور: 60]