إذن: فالآخرة أعظم وأكبر ، ولا وجهَ للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وأذكر أننا سافرنا مرة إلى (سان فرانسيسكو) فأدخلونا أحد الفنادق ، لا للإقامة فيه ، ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة وجمال ومظاهر الرقي والرفاهية.
وفعلاً كان هذا الفندق آية من آيات الإبداع والجمال ، فرأيتُ رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين به ، مأخوذين بروعته ، فقلت لهم عبارة واحدة: هذا ما أعد البشر للبشر ، فكيف بما أعدّه ربُّ البشر للبشر؟
فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أنْ تثير فينا الشوق لنعيم دائم في الجنة ؛ لا أنْ يثير فينا الحقد والحسد ، يجب أن نأخذ من مظاهر الترف والنعيم عند الآخرين وسيلة للإيمان بالله ، وأن نُصعِّد هذا الإيمان بالفكر المستقيم ، فإنْ كان ما نراه من ترف وتقدم ورُقيّ وعمارة في الدنيا من صُنْع مهندس أو عامل ، فكيف الحال إنْ كان الصانع هو الخالق سبحانه وتعالى؟
ويجب ألاًّ نغفلَ الفرْق بين نعيم الدنيا الذي أعدّه البشر ونعيم الآخرة الذي أعدّه الله تعالى ، فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلاً ، وتضغط على زر آخر فيأتي لك منه القهوة.
وهذه آلة تستجيب لك إنْ تفاعلتَ معها ، لكن مهما ارتقى هؤلاء ومهما تقدَّمت صناعتهم فلن يصلوا إلى أنْ يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك ؛ لأن هذا من نعيم الجنة الذي أعده الخالق سبحانه لعباده الصالحين.
إذن: فما دام كذلك ، وسلَّمنا بأن الآخرة أفضل وأعظم ، فما عليك إلاَّ أنْ تبادر وتأخذ الطريق القويم ، وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه ، وهو الاستقامة على منهج الله الواحد والالتزام به.
فيقول الحق سبحانه: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَاهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} .