فالعاقل حين ينظر في الحياة لا ينظر إلى تميُّزه عن غيره كموهبة ، بل يأخذ في اعتباره مواهب الآخرين ، وأنه محتاج إليها وبذلك يندكّ غروره ، ويعرف مدى حاجته لغيره. وكما أنه نابغ في مجال من المجالات ، فغيره نابغ في مجال آخر ؛ لأن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة ، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقار ، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة.
وقوله تعالى: وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً.. { [الإسراء: 21]
فإنْ كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائماً على الأسباب المخلوقة لله تعالى ، فإن الأمر يختلف في الآخرة ؛ لأنها لا تقوم بالأسباب ، بل بالمسبب سبحانه ، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها.
ولو تأملتَ حالك في الدنيا ، وقارنتَه بالآخرة لوجدتَ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ، فعمرك في الدنيا موقوت ، وسينتهي إلى الموت ؛ لأن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها ، فإنْ بقيْت من بعدك فهي لغيرك ، وكذلك ما فُضِّلْتَ به من نعيم الدنيا عُرْضَة للزوال ، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان.
فالغنيّ قد يصير فيقراً ، والصحيح سقيماً ، كما أن نعيم الدنيا على قَدْر إمكانياتك وتفاعلك مع الأسباب ، فالدنيا وما فيها من نعيم غير مُتيقّنة وغير موثوق بها.
وهَبْ أنك تنعَّمْتَ في الدنيا بأعلى درجات النعيم ، فإن نعيمك هذا يُنغِّصه أمران: إما أن تفوت هذا النعيم بالموت ، وإما أنْ يفوتَك هو بما تتعرّض له من أغيار الحياة.
أما الآخرة فعمرك فيها مُمتدّ لا ينتهي ، والنعمة فيها دائمة لا تزول ، وهي نعمة لا حدودَ لها ؛ لأنها على قَدْر إمكانيات المنعِم عز وجل ، في دار خلود لا يعتريها الفناء ، وهي مُتيقنة موثوق بها.
فأيهما أفضل إذن؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى التفكُّر والتعقُّل: انظُرْ أيَّ الصفقتين الرابحة ، فتاجر فيها ولا ترضى بها بديلاً.