وقد ضربنا لذلك مثلاً بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتُحوِجه لسباك أو عامل بسيط ليؤدي له عملاً لا يستطيع هو القيام به ، فالعامل البسيط في هذا الموقف مُفضِّل على هذا العظيم الوجيه. ولك أنْ تتصورَ الحال مثلاً إذا أضرب الكناسون عدة أيام عن العمل. إذن: مهما كان الإنسان بسيطاً ، ومهما كان مغموراً فإن له مهمة يفضّل بها عن غيره من الناس.
خُذ الخياط مثلاً ، وهو صاحب حرفة متواضعة بين الناس ، ولا يكاد يُجيد عملاً إلا أن يخيطَ للناس ثيابهم ، فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات ، الجميع يقبلون عليه ، ويتمنون أن يتكرم عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب أولادهم.
وبهذا نستطيع أن نفهم قَوْل الحق تبارك وتعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]
فكل منا مُسخَّر لخدمة الآخرين فيما فُضِّل فيه ، وفيما نبغ فيه.
وصدق الشاعر حين قال:النَّاسُ لِلناسِ مِنْ بَدْوٍ ومِنْ حَضَرٍ بَعْضٌ لبعْضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُإذن: في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا الإنسان المختلفة ؛ لأن الجميع أمام الله سواء ، ليس مِنّا مَن هو ابن الله ، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسَبٌ أو قرابة ، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عز وجل ، فالجميع أمام عطائه سواء ، لا يوجد أحد أَوْلَى من أحد.