ولم يُجَوِّزْهُ الشافِعيُّ ومالكٌ إلا في حالةِ الاضطرارِ، وبهِ أقولُ، بدليلِ تحديده - صلى الله عليه وسلم - لأوقاتِ الصَّلاةِ، والحديثُ محمولٌ على أن الجمعَ جمعُ تأخيرٍ، وأَنَّهُ أَخَّرَ الأُولى إلى آخِرِ وَقْتِها؛ بحيثُ يفرغُ منها، ثم يدخلُ وقتُ الثانيةِ؛ بدليلِ مُداومتهِ - صلى الله عليه وسلم - على فعلِ الصَّلَواتِ في أوقِاتها.
وعن ابن مسعودٍ: غَسَقُ الليلِ: إِظْلامُهُ، وذلك يتحقَّقُ عندَ غُروبِ الشفقِ.
وقرآنُ الفَجْرِ: هو صلاةُ الصُّبْحِ، فسره بذلك ابنُ عباسٍ وأبو هُريرةَ وسائرُ المفسرين - رضي الله تعالى عنهم.
فيكونُ على هذا التفسيرِ في الآيةِ إشارةٌ إلى مواقيتِ الصَّلاةِ؛ لأنه دخلَ
في الغايةِ، والمُغَيّا: صلاةُ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ؛ كما أشار إليها في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17، 18] ، قدْ بَيَّنَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك، كما بينَهُ اللهُ تعالى بصلاةِ جِبريلَ - عليه الصلاةُ والسلام - .
روى ابنُ عَبّاسٍ رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"أَمَّني جِبريلُ - عليه السلام - عندَ بابِ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حينَ كانَ الفيءُ مثلَ الشِّراكِ، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كان ظِلُّ كُلِّ شيء بقدرِ ظِلِّه، وصَلَّى المَغْرِبَ حينَ أَفْطَرَ الصائِمُ، ثم صَلَّى العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفَقُ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصّائِمِ، ثم صَلَّى المَرَّةَ الأَخيرَةَ الظُّهْرَ حينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ قدر العَصْرِ بالأَمْسِ، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كانَ ظِل كُلِّ شَيْءٍ مثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ القدرَ الأولَ، ولم يُؤَخِّرْها، ثم صَلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ حينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ أَسْفَرَ، ثمَّ التفَتَ فقالَ: يا مُحَمَّدُ! هذا وَقْتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوَقْتُ بيَن هذين الوَقْتَين".
ويقعُ دلوكُها على غُروبِها، قالَ المُبَرِّدُ: دُلوكُ الشَّمْسِ: مِنْ لَدُنْ زَوالِها إلى غُروبها.