قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ يُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّمَا غَابَ عَنْهُ خَبَرُهُ، لِأَنَّ يُوسُفَ حُمِلَ وَهُوَ عَبْدٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْمَلِكُ فَكَانَ فِي دَارِهِ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ، ثُمَّ حُبِسَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ احْتَالَ فِي أَنْ يَعْلَمَ أَبُوهُ خَبَرَهُ، وَلَمْ يُوَجِّهْ بِرَسُولٍ لِأَنَّهُ كَرِهَ مِنْ إِخْوَتِهِ أَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَدَعُوا الرَّسُولَ يَصِلُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ: (بِهِمْ) لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ، يُوسُفُ وَأَخُوهُ، وَالْمُتَخَلِّفُ مِنْ أَجْلِ أَخِيهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) .
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ بِنْيَامِينَ تَتَامَّ حُزْنُهُ، وَبَلَغَ جُهْدُهُ، وَجَدَّدَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ لَهُ فِي يُوسُفَ فَقَالَ: (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) وَنَسِيَ ابْنَهُ بِنْيَامِينَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ يَعْقُوبَ مَا فِي كِتَابِنَا مِنَ الِاسْتِرْجَاعِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ لَمَا قَالَ: (يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) .
قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: وَالْمَعْنَى يَا حُزْنَاهُ! وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَا جَزَعَاهُ!، قَالَ كُثَيِّرٌ:
فَيَا أَسَفَا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرَافُهُ ... وَلِلنَّفْسِ لَمَّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
وَالْأَسَفُ شِدَّةُ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَ.
وَالنِّدَاءُ عَلَى مَعْنَى: تَعَالَ يَا أسف فإنه من أوقاتك.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَصْلُ يَا أَسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) قِيلَ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، وأنه عمي، قال مقاتل.