«فَإِنْ قِيلَ» : هذا يدل على أن الناسي في قوله: «فأنساه الشيطان ذكر ربه» هو الساقي، ولا شك أن من قال: إِن الناسي يوسف يقول: لم ينس الساقي.
فالجواب: أن من قال: إِن يوسف نسي، يقول:
معنى قوله: «وادَّكر» ذكر، كما تقول العرب: احتلب بمعنى حلب، واغتدى بمعنى غدا، فلا يدل إِذاً على نسيان سبقه.
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: إِنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إِلى تأويل رؤياه، خوفاً من أن يكون ذكره ليوسف سبباً لذكره الذنب الذي من أجله حبس، ذكر هذا الجواب ابن الأنباري.
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ(47)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف حكم بعلم الغيب، فقال: «تزرعون» ولم يقل: إِن شاء الله؟
فعنه أربعة أجوبة:
أحدها: أنه كان بوحي من الله عزّ وجل.
والثاني: أنه بنى على علم ما علّمه الله من التأويل الحق، فلم يشك.
والثالث: أنه أضمر «إِن شاء الله» كما أضمر إِخوته في قولهم: وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا، فأضمروا الاستثناء في نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما وعدوا، ذكره ابن الأنباري.
والرابع: أنه كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ)
إِن قيل: لِمَ أشار إِلى السنين وهي مؤنثة ب «ذلك» ؟
فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم:
أحدهما: أن السبع مؤنثة، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكّر، كقوله تعالى: (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) فذكّر منفطراً لمّا لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر:
فلا مُزْنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... وَلاَ أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
فذكرّ «أبقل» لِما وصفنا.
والثاني: أن «ذلك» إِشارة إِلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي.
قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.