ولقد كان آخر عهدنا - في هذه الظلال - بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف - وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول - ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة - فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا . . والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع , وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك ! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها , وتواجه الجاهلية بها , وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا , وعبادة وعملا . بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ . وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود . . في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا . . إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس , بارتفاع وضخامة في الإيقاع ,وسرعة وقوة في النبض , ولألاء شديد في التصوير والحركة . . بينما تمضي سورة يونس , في إيقاع رخي , ونبض هادئ , وسلاسة وديعة ! . . فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا . . ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة , وملامحها المميزة , بعد كل هذا التشابه والاختلاف !
والموضوع الرئيسي في سورة يونس هو ذات الموضوع العام للقرآن المكي الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة . . والسورة تتناول محتوياته وفق طريقتها الخاصة , التي تحدد شخصيتها وملامحها . . ونحن لا نملك - في هذا التقديم - إلا تلخيص هذه المحتويات واحداً واحداً في إجمال , حتى يجيء بيانها المفصل في أثناء استعراض النصوص القرآنية: