{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى} [التوبة: 40] يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق:"والله لو منعوا عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، {حَكِيمٌ} [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر.
ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً} [التوبة: 41] إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافاً مجردين من علائق الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، {وَثِقَالاً} [التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضاً خفافاً من قطع علائق تعلقات الكونين وثقالاً معتصمين بحبل الثقلين، وأيضاً خفافاً مجذوبين بالعناية وثقالاً سالكين بالهداية، {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [التوبة: 41] بإنفاقها، {وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41] ببذلها، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها.