تجسيد المعنويات لقد بلغ القرآن الكريم شأوا بعيدا في إعجاز كلامه ، وتجسيد المعاني. وفي هذه الآية دليل على ذلك فالإيمان والتقوى مفهومان معنويان ، ولكن القرآن يجسدهما عند ما يشبههما بالبنيان ، وكذلك الضلال يجسده تعالى بكلمة (بنيان) ثم يعقد مقارنة بين البناءين ، فيقول تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ هنا يجسد الإيمان ببنيان أساسه التقوى ورضوان اللّه ، فنتصوره بناء متينا راسخا ، موصولا بعناية اللّه. أما الكافرين ، فبنيانهم على حافة هاوية منهارة. وهنا يبلغ التصوير الفني منتهاه في الإبداع والتخييل والتجسيد ، فها نحن مع بنيان الكفر ، وهو على حافة ، فهو مخلخل يوشك أن يتهاوى والحافة على جانب هاوية سحيقة ، فهو بناء يحمل الخطر والموت ، وإذا بالبناء ينهار بصاحبه في نار جهنم ، فقد لمسنا بالعين والحس والخيال صورة الكفر الفاسدة المتداعية المتساقطة التي لا تستند إلى دعائم ولا تقوم على أساس إلا أساس من التخلخل والتصدع والاهتزاز ، فتتهاوى في الجحيم هنا يبرز فن التعبير والتصوير ، بتجسيده المعاني ضمن إطار من الصور والمرئيات والمحسوسات ، بصورة متكاملة متناهية. وذلك إعجاز كلام اللّه عز وجل وبلوغه المنتهى ، والكمال!
[سورة التوبة (9) : آية 110]
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)
الإعراب: