ثم قال تعالى: {وََاتَّقُوا} [الأنفال: 25] أيها الواصلون، {فِتْنَةً} [الأنفال: 25] يعني: أن ابتلاء النفوس بشيء من حظوظها من الدنيوية والأخروية، {لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25] يعني: لا تصيب تلك الفتنة النفوس الظالمة فقط؛ بل تصيب ظلماتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية، فتجذبها من حضائر القدس ورياض الأنس إلى خصائص صفات الإنس، كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] فيما يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عند التفاوت إلى ما سواه.
ثم أخبر عن الذاكرين الشاكرين بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 26] إلى قوله:
{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] والإشارة فيها: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ} أيها الروح والقلب، {قَلِيلٌ} ثم تنشأ بعد ذلك الصفات والأخلاق الروحانية، {مُّسْتَضْعَفُونَ} من غلبات صفات النفس وهواها واستيلاء الشيطان وحزبه؛ وذلك لأن الروح والقلب في بدء الخلقة وتعلقهما بالقالب، وكذا صفاتهما مستضعفون لأعوان التربية بلبان آداب الطريقة، وانعدام جريان أحكام الشريعة عليهم إلى إذان البلوغ والتربية في هذه المدة للنفس وصفاتها لاستحكام القالب بحمل أعباء تكاليف الشريعة، وهما أعني: الروج والقلب، {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ} [الأنفال: 26] إلى حضائر القدس.
{وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26] بالواردات الربانية، {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [الأنفال: 26] من المواهب الظاهرة من لوث الحدوث، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] فتستحقون المزيد.