وَذَكَرَ الرَّازِيُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِنَفْيِ نُزُولِهَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَأَجَابَ عَنْهُمَا فَقَالَ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: (أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) اسْتَغْفَرُوا وَقَالُوا: لَا نُرِيدُهَا . (وَالثَّانِي) أَنَّهُ وَصَفَ الْمَائِدَةَ بِكَوْنِهَا عِيدًا لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، فَلَوْ نَزَلَتْ لَبَقِيَ ذَلِكَ الْعِيدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَبَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِنُزُولِهَا لِوُجُوبِ إِنْجَازِ الْوَعْدِ الْجَازِمِ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ) شَرْطٌ وَجَزَاءٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ يَوْمَ نُزُولِهَا كَانَ عِيدًا لَهُمْ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ كَانَ عَلَى شَرْعِهِمْ اهـ .
أَقُولُ: أَمَّا جَوَابُهُ عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ خَبَرٍ إِنْ صَحَّ لَا تُرَدَّ صِحَّتُهُ بِكَوْنِ جُمْلَةِ الْوَعِيدِ الشَّرْطِيَّةِ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِجُمْلَةِ الْوَعْدِ إِلَّا إِذَا قَالَهُ هَذَانِ التَّابِعِيَّانِ الْأَجِلَّاءُ مِنْ قَبِيلِ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُمَا أَصْلًا مَرْفُوعًا ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهٍ يَتَّفِقُ مَعَ صِدْقِ الْوَعْدِ ، وَهُوَ (الْوَجْهُ الثَّانِي) وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ جُمْلَةَ الْوَعِيدِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الْوَعْدِ لِعَطْفِهَا عَلَيْهَا بِالْفَاءِ كَمَا بَيَّنَاهُ