إنهم طلبوا أن ينزل الله عليهم ملكاً ، ولو استجاب الله لهم وأرسل رسوله ملكاً لتجسد المَلَك في صورة بشرية ، وهم من بعد ذلك قد يستمرون على الكفر ويعاندون ولا يؤمنون ، عندئذ يحق عليهم عذاب الله ويهلكهم . إذن فمهمة الرسول هي البلاغ ولنا فيه الأسوة .
وتتابع الآية: {والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} كأنه سبحانه وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة ؛ لأن الأمر الشكلي قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه ، ولكن الله ينظر إلينا بقيوميته ، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم . وفي هذا القول تحدّ للمنافقين من أنه سبحانه سيحاسبهم ، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان الشكلي ، فسوف ينال عقاب الله ، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر لله .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن يحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو نفاقاً . وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم أنه بشر ، وعرف أن البشرية محدودة القدرة . ولذلك قال:"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ليأخذها أو ليتركها".