جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته الدواب وألقتهُ رَوْثا ، فعل - سبحانه - ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى أن الكعبة لن يمسها سوء ، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل القبائل إلى الحج . وقال سبحانه: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4] .
أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف ، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعاً قياما وامناً ؛ لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يُكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم ، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضاً .
إذن جعل الله البيت الحرام قياماً لكل ألوان الحياة ، والبيت الحرام مكان كما نعلم . وجعل الحق الشهر الحرام أيضاً قياماً للحياة ، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم . والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضاً وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم .
ونعلم أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل . والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه الفعل ، وإلى مكان يفعل فيه ، وإلى سبب يدعو إلى الفعل ، وإلى قدرة تبرز هذا الفعل . ولذلك نذكر جميعاً قول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 23 - 24] .