لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بوادٍ غير ذي زرع ، لا ماء فيه ولا نبات . وجاء الحق بهذه الكنابة لنعرف أنه لا حياة بدون زرع ، والماء لازم للزرع . وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة ، ولا يوجد فيه إلا المنعم ، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فيقول لها: إلى الله تقول: رضيت بالله . هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد ، فالله لن يضيعها لا هي ولا ابنها ؛ لأنها قالت: رضيت بالله .
وقص الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا قصتها ، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة ، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها ، بل سيرزقهما ، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيراً يدلها على موقع للماء ، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير . إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم . وسعت سبعة أشواط . وهي الأنثى وفي تلك السن ، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها .
السعي - كما نعرفه - عملية شاقة . ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أثبت كلمتها:"إن الله لا يضيعنا". ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع . وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين: أمّا الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده ، وأما الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة ، ولكن الثمرة يعطيها الله . وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليماً لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب ؛ لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب . {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6 - 7] .