إنه لا يصح أبداً أن تعزلك الأسباب عن المسبب ، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب ؛ لا ، كُنْ دائماً مع الأسباب ، وتذكر دائماً المسبب . ولذلك نقول: إن الجوارح تعمل ، ولكن القلوب تتوكل . وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها ، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .
لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات ، لأن الوادي غير ذي زرع . ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوي إلى الكعبة وإلى البيت الحرام . يقول - سبحانه -: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} [القصص: 57] .
وكلمة"يُجبى"تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات اختياراً إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياماً لحياة من يوجد فيه ، بل يأتون بالثمرات قهراً .
وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد ، وعندما يريد إنسان الشراء من نِتاج مزارعهم يقولون له: إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة .
لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ} . و"تهوي"- بكسر الواو - تدل على السقوط من حالق . . أي من مكان مرتفع شاهق . وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفاً إليها . ولذلك نجد الكَلِف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق روحه إلى الحج .