ويتجه خطاب الله إلى نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، وأن يلفت نظر الإنسان أيا كان وحيثما كان، إلى أن مجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة، فقد يكون الخبيث جذابا وبراقا ومثيرا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه، وإذا كان الخبيث (أوزن) في الدنيا فالطيب أوزن منه في الآخرة، وإذا كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار، وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتا مذكورا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ثم يتناول كتاب الله الحديث عن طائفة من الناس، مصابة بنوع غريب من حب الاستطلاع والهوس بلغ إلى حد الوسواس،
فهي تحاول أن تحيط علما بكل شيء، وهي تحشر أنفها في جميع المقامات والمجامع، وهي مولعة بالبحث عن أسرار الناس الخاصة ودخائل أمورهم دون أي موجب شرعي ولا مبرر أخلاقي، وهي حريصة على إثارة الأسئلة الفارغة أو الملتوية، التي لا جدوى من ورائها ولا نفع في الجواب عنها، بغية إيقاع المجيب عنها في ورطة يصعب عليه الخلاص منها، وهكذا فإلى هذه الطائفة ومثيلاتها يتجه الخطاب الإلهي قائلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .