واختلف أيضاً في جواز ترك البهائم ترعى فيه ، فمنعه أبو حنيفة ، وروي نحوه عن مالك ، وفيه عن أحمد روايتان ، ومذهب الشافعي جوازه ، واحتج من منعه بأن ما حرم اتلافه ، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد ، واحتج من أجازه بأمرين:
الأول: حديث ابن عباس قال:"أقبلت راكباً على أتان ، فوجدت النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع"متفق عليه ، ومنى من الحرم.
الثاني: أن الهدْيَ كان يدخل الحرم بكثرة في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وزمن أصحابه ، ولم ينقل عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم. وهذا القول أظهر ، والله تعالى أعلم.
وممن قال به عطاء ، واختلف في أخذ الورق ، والمساويك من شجر الحرم إذا كان أخذ الورق بغير ضرب يضر بالشجرة ، فمنعه بعض العلماء لعموم الأدلة ، وأجازه الشافعي ، لأنه لا ضرر فيه على الشجرة ، وروي عن عطاء ، وعمرو بن دينار ، أنهما رخصا في ورق السنا للاستمشاء بدون نزع أصله ، والأحوط ترك ذلك كله ، والظاهر أن من أجازه استدل لذلك بقياسه على الإذخر بجامع الحاجة.
وقال ابن قدامة في (المغني) : ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان ، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي ، ولا ما سقط من الورق ، نص عليه أحمد ، ولا نعلم فيه خلافاً ، لأن الخبر إنما ورد في القطع ، وهذا لم يقطع فأما إن قطعه آدمي ، فقال أحمد: لم أسمع إذا قطع أنه ينتفع به ، وق لفي الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها ، وذلك لأنه ممنوع من اتلافه لحرمة الحرم ، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به ، كالصيد يذبحه المحرم.
ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به ، لأنه انقطع بغير فعله ، فأبيح له الانتفاع به ، كما لو قطعه حيوان بهيمي ، ويفارق الصيد الذي ذبحه ، لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية ، ولهذا لا تحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا اهـ.