وَأَمَّا مِنْ جَاءَ بَعْدَ الْمُخَالِفِ الْأَوَّلِ وَبَلَغَهُ خِلَافُهُ فَشَبْهَتُهُ أَقْوَى عِنْدَ أَهْلِ التَّقْلِيدِ ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحُجَّةِ وَالْبَصِيرَةِ فِي الدِّينِ ، فَالْكَلَامُ مَعَهُمْ لَغْوٌ مَا لَمْ يُحْكِمُوا الدَّلِيلَ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) (4: 59) الْآيَةَ ، فَإِنْ رَضُوا بِهِ بَيَّنَّا لَهُمْ مَا صَحَّ مِنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَعَمَلِهِمْ بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِ رَسُولِهِ:"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ"وَلَفْظُ الْمُسْكِرِ اسْمُ جِنْسٍ .
(تَشْدِيدُ السُّنَّةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ) .
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ"زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ"فَلَمْ يُسْقَهَا".
قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَشْرَبُهُ فِيهَا ، وَقِيلَ: لَا يَشْرَبُهَا فِيهَا وَإِنْ مَاتَ مُؤْمِنًا وَدَخَلَهَا ، لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا فَجُوزِيَ بِحِرْمَانِهِ ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عَنْهُ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْحَمْلِ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِشُرْبِهَا ، لِأَنَّهُ رَادٌّ لِلشَّرِيعَةِ غَيْرُ مُذْعِنٍ لَهَا ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ"فَلَمْ يُسْقَهَا"ظَاهِرَةٌ فِي رَدِّهِ .