لَمْ يُؤَكَّدْ تَحْرِيمُ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ هَذَا التَّأْكِيدِ لَا قَرِيبًا مِنْهُ ، وَحِكْمَتُهُ شِدَّةُ افْتِتَانِ النَّاسِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَكَذَا الْمَيْسِرُ ، وَتَأَوُّلُهُمْ كُلُّ مَا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ إِلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الْأَدْيَانِ الَّتِي تُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ ، كَمَا أَوَّلَتِ الْيَهُودُ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ كَالرِّبَا وَغَيْرِهِ ، وَكَمَا اسْتَحَلَّ بَعْضُ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ شُرْبَ بَعْضِ الْخُمُورِ بِتَسْمِيَتِهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، إِذْ قَالُوا هَذَا نَبِيذٌ لَا يُسْكِرُ إِلَّا الْكَثِيرُ مِنْهُ ، وَقَدْ أَحَلَّ مَا دُونَ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ خَمْرٌ لَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ شُرْبِهِ إِلَّا السُّكْرُ .
بَلْ تَجَرَّأَ بَعْضُ غُلَاةِ الْفُسَّاقِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، لِأَنَّ اللهَ قَالَ: (فَاجْتَنِبُوهُ) وَلَمْ يَقُلْ: حَرَّمْتُهُ فَاتْرُكُوهُ ، وَقَالَ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وَلَمْ يَقُلْ فَانْتَهُوا عَنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلَنَا هَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ فَقُلْنَا: لَا ، ثُمَّ سَكَتَ وَسَكَتْنَا وَيَصْدُقُ عَلَى هَؤُلَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا) (7: 51) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الْغُلُوَّ قَلَّمَا يَصْدُرُ عَمَّنْ كَانَ صَحِيحَ الْإِيمَانِ فَمَا قَالَهُ تَعَالَى أَبْلَغُ مِنْ تَحْرِيمِهِ مِمَّا قَالُوا .
أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَدْ قَالُوا انْتَهَيْنَا رَبَّنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْتَهَيْنَا أَكَّدُوا الِاسْتِجَابَةَ