قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه: العجب من المخالفين في هذه المسألة ؛ فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصَر من العنب حرام ككثيره ، وهو مجمع عليه ؛ فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهباً للعقل؟ فلا بدّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير ، أو للتعبد ؛ فحينئذ يقال لهم: كلّ ما قدّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضاً ، إذ لا فارق بينهما إلا مجرّد الاسم إذا سلم ذلك.
وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس ؛ لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه ؛ وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق.
ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد ، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجليّ المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأُمة ، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بيّن عِلَلها المحدّثون في كتبهم ، وليس في الصحاح شيء منها.
وسيأتي في سورة"النحل"تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
الخامسة قوله تعالى: {طعموا} أصل هذه اللفظة في الأكل ؛ يقال: طَعِمَ الطّعامَ وشَرِب الشَّرَاب ، لكن قد تجوّز في ذلك فيقال: لم أطعم خُبزاً ولا ماء ولا نوماً ؛ قال الشاعر:
نَعَاماً بِوَجْرة صُعْر الخُدو ...
دِ لا تَطْعَمُ النومَ إلاّ صِيَامَا
وقد تقدّم القول في"البقرة"في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} بما فيه الكفاية.
السادسة قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات ، والانتفاع بكل لذيذ من مَطْعَم ومَشْرَب ومَنْكَح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ} ونظير قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق} [الأعراف: 32] .