وَمِنَ الْغَرَائِبِ أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ فَهِمَ مِنْ هَيْمَنَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهَا بِالْحِفْظِ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ . وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْمُهَيْمِنِ: الشَّهِيدَ ، فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَحَكَّمُوا فِي شَهَادَتِهِ كَمَا يَشَاءُونَ ؟ أَمِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ إِلَى مَا قَالَهُ فِي شَأْنِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَأَهْلِهَا ; لِأَنَّهُ هُوَ نَصُّ شَهَادَتِهِ لَهَا وَلَهُمْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِمْ ؟ وَالْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَحَسْبُهُمْ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِهَا فِي كُلٍّ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَبْلَهَا إِنَّهُمْ"أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ"، وَقَالَ فِيهِمَا جَمِيعًا إِنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا: (آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) (2: 136) الْآيَةَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ، وَيُفَسِّرُونَهَا لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِالْعَرَبِيَّةِ ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنْ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ وَقَبُولِ كَلَامِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ .