إن الله قدر دخول الجَنَّة بالأعمال ودخول النار بالأعمال، وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السرور في الدنيا الآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب.
عمل العبد الصالح لا يوفي حق الله -عَزَّ وَجَلَّ- عليه:
فالرب تبارك وتعالى هو المنعم حقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وُزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزءًا يسيرًا جدًّا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه، وأنه كلما كملت نعمة الله على العبد عظم حقه
عليه، وكان ما يطالب به من الشكر أكثر مما يطالب من دونه، فيكون حق الله عليه أعظم، وأعماله لا تفي بحقه عليه فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدًا مملوكًا مستعملًا فيما يأمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس له شيء، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله، بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه.
الأعمال الصالحة أسباب لا أعواض ولا أثمان:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.
وهذا لا ينافي قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، فإنها إنما تدل على أن الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب.
شكر الله على نعمه لا يقدر على القيام به أحد، لكثرة نعم الخالق وتقصير المخلوق: