إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق. وَأَصْلَحُوا عملهم. وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ووثقوا بالله.
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ من الرياء. أَجْراً عَظِيماً في الآخرة وهو الجنة. وَكانَ اللَّهُ شاكِراً لأعمال المؤمنين بالإثابة عليها. عَلِيماً بخلقه.
المناسبة:
الآيات مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم.
التفسير والبيان:
إن المنافقين لجهلهم، وسذاجتهم، وقلة علمهم وعقلهم ومرضهم النفسي، وسوء تقديرهم يلجأون إلى الخداع، فيفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، كما تقدم في أول سورة البقرة: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية [9] ولا شك بأن الله لا يخادع فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكنهم
يظنون أن أمرهم كما راج عند الناس، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده كما قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ الآية [المجادلة 58/ 18] .
وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول، مثل وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [الأنفال 8/ 30] . أو وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم تطبق عليهم أحكام الشريعة في الظاهر، معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في الدنيا العاجلة من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. وقد يخذلهم في الآخرة أمام الناس، فيعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، ثم يطفأ نورهم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ- إلى قوله- وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد 57/ 13 - 15] .
وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس: «من سمّع سمّع الله به، ومن رأيا رأيا الله به»