وحديث الشيخين عن عائشة الذي أوردناه قبل يفيد هذا أن ولي اليتيم كان يرى لنفسه حقّا في أخذ شيء من مال اليتيم القاصر مقابل النظر عليه وتدبيره فأباحت الآية هذا للفقير مع شرط الأكل بالمعروف أي عدم تجاوز الحد المتعارف على أنه حقّ معقول وسائغ. وأمرت الغني بالتعفف لأنه ليس في حاجة. فكان ذلك متسقا مع ما تكرر من مظاهر عناية حكمة التنزيل ورعايتها لليتيم. وفيه في الوقت نفسه دليل على أن أولياء اليتامى كانوا في العادة من ذوي عصبة اليتامى وأقربائهم الأدنين.
ولقد روى المفسرون بعض الأحاديث النبوية في صدد ما يجوز للولي غير الغني أكله من مال اليتيم من ذلك حديث رواه الإمام أحمد جاء فيه «أنّ رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ولا أن تقي مالك- أو قال- تفدي مالك بماله» مما فيه توضيح تطبيقي للآية واتساق مع هدفها.
ولقد روى المفسرون أقوالا عن بعض الصحابة والتابعين في صدد ما إذا كان ما يأخذه الفقير من مال اليتيم قرضا يجب رده إذا أيسر أم لا. فمنهم من قال إنه قرض، ومنهم من قال إنه مقابل الجهد والنظر. والقول الثاني هو الأوجه على
ما هو المتبادر والأكثر اتساقا مع روح الآية والأحاديث وبخاصة مع صراحة الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها.
والخطاب في الآية وإن كان موجها للأولياء فإن الذي يتبادر لنا أن هذا لا يعني أنه ليس لولي الأمر والحكام حق الإشراف على تطبيق أحكامها سواء أفي اختيار اليتامى والتثبت من بلوغهم الرشد بعد الحلم أم في مراقبة الأولياء ومنع إساءة تصرفهم في أموال اليتامى التي تحت أيديهم بأي وجه. فإن هذا مما يحقق الهدف القرآني.