فإن اعترضَ معترضٌ علينا بأنَّ القرآنَ لا يَثْبُتُ بخبر الواحدِ، وإذا لم يثبتْ بخبر الواحد، بطلَ العملُ، ولا يتنزلُ منزلةَ خبر الواحد، كما هو قولُ المحققينَ من أهلِ النظرِ؛ لأنه إنما رواه على أنه قرآنٌ، فإذا لم يثبتْ قرآنًا، لم يثبتْ غيرُه.
ولأنَّ خبرَ الواحد إذا توجَّه إليه قادحٌ، وجبَ التوقُّفُ عن العملِ به، وهذا لم يجئْ إلا بآحاد - مع أن العادة مجيئُه متواترًا - يوجبُ ريبةً في صحةِ الخبر.
قلنا: هذا ليس مَحَلَّ النزاعِ، فإن صورةَ المسألةِ المختَلَفِ فيها إذا روى الصحابيُّ شيئًا على أنه من القرآنِ ثابتٌ غيرُ منسوخٍ؛ كقراءةِ ابنِ مسعود: (فصيامُ ثلاثة أيامٍ متتابعات) ، (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) .
وأما إذا روى الصحابيُّ أنه كان من القرآن ثم نسخ، فهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لأنه لم ينقلْه على أنه قرآنٌ الآنَ، وإنما نقله على أنه كان قرآنًا، وقد نُسخ، وهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لعدم توفُّر الدواعي من الأمة على نقله، فلا يوقع ريبةً، فيجوز لنا أن نقول: من القرآن شيءٌ نُسخ لفظُه على الجملة لِنَقْلِ أهلِ العلمِ ذلكَ بالتواتُرِ من طريق المعنى، لا من طريقِ اللفظ.
روي عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: نزلت في شأن الذين قُتلوا ببئر معونة: (بَلِّغوا قومَنا أنا قد لقينا رَبَّنا، فرضيَ عنا ورضينا عنه) ، قال أنس: فكان ذلك قرآنًا قرأناه.
وروي عن أبي موسى الأشعري: أنه قال: نزلتْ سورةٌ نحوٌ من (براءة) ، ثم رفعت، وذَكر أنه حَفِظَ منها شيئًا.
وروي عن بعضهم أنه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ البقرة.
وروي عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: أنها قالت: نزلت: (فصيامُ ثلاثةِ أيام متتابعات) ، فسقطت متتابعات. قال الدَّارَقُطْنِيُّ: إسنادُه صحيح.
ومثل ما روي: (الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا) ، ولأنه لا يسمى قرآنًا إلا مجازًا، وليسَ له حرمةُ القرآن، فيجوز للجنب والحائض قراءةُ مثلِه، ولا يجوز لنا أن نقول: في القرآن شيء ثابت بنقل الواحد؛ لتوفر دواعي الأمة على نقله، فإذا نقل بعضُهم شيئًا شاذًا، رَدَدْناه، ودلَّ على بطلانه مخالفة الإجماعِ من المسلمين، بخلاف ما قدمناه؛ فإنه ليس فيه مخالفةٌ لإجماع المسلمين، فينزل منزلةَ السُّنَنِ؛ لاتفاقهما في أن الدواعيَ لا تتوفرُ من المسلمين على نقل أفرادِهما كما تتوفرُ على نقل أفراد القرآن،