ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة النساء
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟
قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء ، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم؛ حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة"."
والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها، قد تكاثروا وانتشروا في أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم. وقوله {كَثِيراً} صفة لقوله {رِجَالاً} وهو صفة مؤكدة لما إفاده التنكير من معنى الكثرة. وجاء الوصف بصيغة الإِفراد، لأن {كَثِيراً} وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، اكتفاء بوصف الرجال بذلك، ولأن الفعل {وَبَثَّ} يقضى الكثرة والانتشار.
وقال الفخر الرازي: خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء، لأن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج البروز. واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول"."
وقوله: {واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام} تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة في النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره.
{وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ}